الجمعة، 1 يناير 2010

إيران والفوضى الخلاقة...!!

منذ أعيد انتخاب احمدي نجاد رئيسا للجمهورية الايرانيه للمرة الثانية في الثاني عشر من يونيو الماضي وخروج كلا من مير حسين موسوى ومهدى كروبى مهزومين من المعركة الانتخابية واشتعلت الاحتجاجات والمظاهرات في إيران مطالبه بإعادة الانتخابات أو على الأقل إعادة فرز الأصوات وذلك على خلفية اتهامات بحدوث تجاوزات فى العملية الانتخابية .
، ورغم محاولات النظام الايرانى وفى مقدمته المرشد الأعلى للجمهورية التدخل لوقف تلك الاحتجاجات إلا أنها لم تكد تتوقف حتى تندلع مرة أخرى كلما وجدت لذلك سبيلا وكأن أحدا يحول بين استعادة الهدوء في البلاد .
، وعلى الرغم من أن المعارضة الإيرانية تصرح ليل نهار أنها جزء من النظام الايرانى وتحترم الدستور وتعترف بولاية الفقيه إلا أن تلك الاحتجاجات أخذت في التطور والتصاعد لتبدأ بمظاهرات سلمية مطالبة بإعادة فرز الأصوات والاحتجاج على نتيجة الانتخابات الرئاسية ، ثم تطورت لتهاجم رأس الدولة متمثلا في مرشدها الأعلى وتمزيق صوره في شوارع طهران ، ثم ما لبثت تلك الاحتجاجات أن ظهرت بصورتها الاخيره في ذكرى عاشوراء ثم في تأبين المرجع الشيعي أية الله منتظري والتي أخذت منحنى خطيرا حيث نتج عنها عدد من القتلى والجرحى وتدمير بعض الممتلكات واستعمال الأسلحة النارية وسط اتهامات للنظام بضلوعه في عمليات التصفية الجسدية للمتظاهرين .
والمتتبع لرد فعل النظام الايرانى في التعامل مع المحتجين قد جاء متدرجا فكانت البداية تجاهل تلك التظاهرات ثم تجريمها ثم حظرها ثم نزول أنصار النظام للشوارع في مظاهرات استعراض قوة بالآلاف وأخيرا تصادمات بين الأمن والمتظاهرين كانت حصيلتها خسائر بشرية ومادية في تطور ملحوظ يدعو للتساؤل والبحث عن أسباب ذلك التدهور .

الأسباب الحقيقة للازمة

لاشك في انه منذ عام 1979 تاريخ قطع العلاقات الإيرانية - الأمريكية لم تشهد العلاقات الإيرانية – الغربية تطورا ايجابيا بل على العكس من ذلك كان تطور تلك العلاقات في الاتجاه السلبي وذلك نتيجة لعدد من الأسباب أهمها :-
· رفض احمدي نجاد لأي تدخل خارجي لمنع إيران من حقها في تطوير برنامجها النووي
· تطلع إيران للعب دور أهم في منطقة الشرق الأوسط باعتبارها قوة إقليمية كبرى وهو ما لم يعد استنتاجا بل هو ما أعلنه مسئولين إيرانيين في تصريحات نشرت مؤخرا.
· تصريحات احمدي نجاد في أكتوبر 2005 بضرورة إزالة إسرائيل من المنطقة والتي تحتل القدس تلك التصريحات التي عبرت عن الموقف الايرانى من إسرائيل إضافة إلى إنكار إيران للمحرقة على لسان الرئيس احمدي نجاد .
· إصرار إيران على موقفها الداعم للمقاومة الفلسطينية واللبنانية بكل صوره سواء إعلاميا أو في المحافل الدولية فضلا عن الدعم المادي واللوجيستى الأمر الذي ساهم في تكبد إسرائيل لخسائر فادحة في حربها على الجنوب اللبناني ثم حربها على قطاع غزة على التوالي هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ساهم في عرقلة مشاريع التسوية التي تم إعدادها والترويج لها بين الدول العربية لتصفية القضية الفلسطينية وبصورة نهائية .
· تذكير إيران الدائم لأمريكا والدول الغربية بان قواتها المتواجدة في المنطقة سواء في العراق أوافغانستان هي في مرمى حجر من القوات الإيرانية أو حلفاءها في تلك البلاد مما يجعل الدول الغربية غير قادرة على اتخاذ موقف حاسم تجاه إيران على الأرض من مثل تلك المواقف التي اتخذتها ضد العراق .

الفوضى الخلاقة

لكل تلك الأسباب ولغيرها دفعت الدول الغربية - خاصة انجلترا وأمريكا – إلى البحث عن وسائل للضغط على النظام الايرانى للتخفيف من حدة مواقفه المتشدده ، فعمدت فى البداية الى ارسال رسائل تهديد على لسان اسرائيل عن عزمها ضرب المنشأت النووية الايرانية ردا على تمسك الاخيرة بحقها فى تخصيب اليورانيوم على اراضيها وردا على مواقفها الداعمة لحزب الله وفصائل المقاومة الفلسطينية ولم تقابل ايران تلك الرسائل الا باستعراضات عسكرية وتصريحات قوية تهدد بضرب اسرائيل او اية دولة تنطلق منها هجمات ضد الاراضى الايرانية مع التأكيد على ان القوات الغربية فى العراق وافغانستان دائما فى متناول القوات الايرانية وحلفائها فى تلك البلاد الامر الذى كان يدفع الولايات المتحده لبح جماح اسرائيل ووقف دورها فى هذه المرحلة عند حيز التهديدات والبحث عن بدائل اخرى من الداخل الايرانى لزعزعة النظام بعد ان فشلت سيناريوهات الزعزعه من الخارج فى ضؤ استراتيجية الفوضى الخلاقة التى اعلنت عنها كونزوليزارايس مستشارة الامن القومى فى ادارة بوش الابن السابقة والتى تعتمد على إحداث حالة من الفوضى فى البلد المراد احداث تغيير ما فيها (بصورة او بأخرى....!!!!!) وتوجيه تلك الفوضى لتخرج بالصورة التى تم التخطيط لها بدلا من التدخل العسكرى المباشر والذى لا تستطيع تحمل خسائرة ونتائجة غير مضمونه .
، ولا شك عندى فى ان ما يحدث فى ايران هذه الايام يأتى فى اطار مخطط الفوضى الخلاقة الذى تحاول به الولايات المتحده وانجلترا تغيير الامور فى ايران ووضع النظام فى حالة ضغط دائم وصولا الى دفعه لتقديم تنازلات ملحة بالنسبة للادارة الامريكية ولا مانع فى هذا الاطار من تقديم تنازلات محسوبة لايران فى بعض الملفات مثل المشروع النووى ، والاعتراف بدور اقليمى لايران فى قيادة المنطقة ، وغض الطرف عن ممارساتها ضد دول الخليج العربى فى الاستيلاء على ابار البترول والجزر والهيمنة على مياه الخليج العربى وهو الامر الذى ظهرت بوادره فى التصريحات الامريكية اثناء ازمة احتلال ايران لأبار البترول العراقية فى الايام القليله الماضية والتى صرحت بأن ما يحدث هو امر عراقى داخلى فى حين ان الولايات المتحده دولة احتلال بموجب قرارات الامم المتحده ومجلس الان وتلتزم بالدفاع عن اراضى الدولة التى تحتلها .

السيناريوهات المحتملة

بالتأكيد لن يكون من بين تلك السيناريوهات المحتملة انهيار النظام الايرانى نظرا لما يتمتع به من قوة هائلة سواء على المستوى الشعبي أو على مستوى الحرس الثوري والذي يعتبر جيشا موازيا لقوات الجيش النظامى الايرانية والذى يخضع لإوامر المرشد الاعلى للثورة الايرانية مباشرة والذى لم يتدخل حتى الان فى احداث الفوضى التى تدور فى طهران الا بقدر تنظيم المظاهرات الضخمة ردا على مظاهرات المعارضة الايرانية .
ولكن السيناريوهات المحتملة فى اعتقادى لن تخرج عن احد اثنين :
السيناريو الاول : ويتمثل فى صمود النظام الايرانى امام كل تلك المحاولات الساعية لزعزعة استقراره وثباته على موقفه من كل تلك الملفات خاصة فيما يتعلق بالمقاومة الفلسطينية واللبنانية واستمرار الوضع على ما هو علية من شد وجزب لا يرقى الى الصدام المسلح - الشامل – وهو الامر الذى يمثل مكسبا للنظام الايرانى الذى يلعب على عنصر الوقت وكل دقيقة تمر تقربة من تحقيق حلمة النووى وتدعم موقفة الاقليمى وتدع اسرائيل ترزح تحت ضغط مستمر من فصائل المقاومة والتى تحقق مكاسب يوما بعد يوم حتى انه من غير المستبعد ان يتم تسليم الاراضى اللبنانية المحتلة للبنان حتى لا يعود هناك مبرر لتواحد سلاح حزب الله الامر الذى يحمل فى طياته انتصار لمقاومة وعلى الصعيد الفلسطينى لازالت اسرائيل تتفاوض مع حماس بوجود الوسيط الالمانى للافراج عن شاليط ومن غير المحتمل ان يتم الافراج عنه الا بعد تقديم تنازلات مهمة لصالح المقاومة الامر الذى سيصب فى المصلحة الايرانية بطريقة او بأخرى .

، السيناريو الثانى : ان يعقد التحالف الغربى تنازلات مهمة وحقيقة لايران مستغلا البرجماتية الواقعية للنظام الايرانى وسعية لتسليم الولايات المتحده وبريطانيا بقيادته لمنطقة الخليج العربى وغيرها ..!! ورفع الحصار الاقتصادى عن ايران ووقف التدخل فى الشأن الايرانى والاعتراف بحق إيران في التخصيب النووى على اراضيها فى مقابل تراجع ايران عن دعم المشروع المقاوم وغض الطرف عن تمرير مشاريع التنازل والتسوية المخطط لها فى الشرق الأوسط وضمان امن إيران للقوات الغربية فى المنطقة و....

الخاسر الأكبر

لاشك أن الخاسر الأكبر في إطار تحقق أيا من السيناريوهات السابقة سيكون العالم العربي نظرا لعدم وجود مشروعا حقيقا يقف أمام المشروع الايرانى أو مشروع الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط ، وللأسف الخسارة العربية محققة الوقوع في كل الأحوال سواء صمد النظام الايرانى ولم يتعامل ببراجماتية ، أو تعامل النظام الايرانى ببراجماتية وعقد الصفقة مع الغرب ليتم تمرير مشروع التسوية والتنازل عن الثوابت الفلسطينية وعلى رأسها حق العودة والقدس الشريف .
ولعل الوقت لم ينقضي بعد ولا زالت الفرصة سانحة للعالم العربي كي يتحلى بالشجاعة اللازمة ويتبنى مشروعا عربيا موحدا يستطيع الوقوف أمام تلك المشاريع اللاهثة لتمزيق العالم العربي واستنزاف ثرواته وتحقيق مكاسب على حساب مستقبله ومقدرات أبناءة .
فأي تلك السيناريوهات سيتحقق ؟ وهل سيقوم المشروع العربي المأمول ؟ هذا ما ستجيب عنه الأيام القادمة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق