تابع الكثيرين منا ما أصدرته محاكم الجنايات المصرية من أحكام بالإعدام مؤخرا كان اشهرها الحكم الذي صدر فى حق احد رجال الأعمال المعروفين والذي لفت الانتباه إلي صدور عدد كبير من أحكام الإعدام تزيد على المائة حكم خلال الشهورالماضية وهو ما يعادل ما تم إصدارة من أحكام بالإعدام خلال عام كامل وهو ما لاحظه عدد من المهتمين بالشأن العام و المتخصصين فى محاولة للإجابة على تساؤل هام عما إذا كان زيادة معدل إصدار الأحكام القضائية بالإعدام هي مؤشر على زيادة معدل العنف ؟ ام ان تلك الأحكام نفسها هي دليل على زيادة العنف فيما يصدره القضاء من أحكام ؟ فيتم التدخل للتخفيف من سقف العقوبة وبالتالي ارتفاع الأصوات التي تنادى بإلغاء عقوبة الإعدام .
، ويجب فى البداية ان نؤكد على ان زيادة معدل صدور أحكام الإعدام ليس مؤشرا على انتشار العنف فى الأحكام القضائية ، اذ ان الحكم القضائي ليس إلا كاشفا عن الحقيقة وليس الحكم القضائي بذاته علامة من علامات تفشى ظاهرة العنف .
فعندما تعرض أوراق قضية ما على القضاء فالأصل أن المحكمة تتجرد عن ما ورد بالأوراق من أشخاص وأسماء أيا كانت صفاتهم ومراكزهم القانونية وينحصر جل اهتمام المحكمة في ما قام به هؤلاء الأشخاص من أفعال جرمها القانون وتم ذكرها بالأوراق والبحث فيما إذا كانت تلك الأفعال قد وقعت فعلا أم لا ؟ وهل كانت أفعالا عرضية وليدة اللحظة كأن تكون دفاعا مشروعا عن النفس أو المال أم أن تلك الأفعال وقعت بناء على تخطيط وإعداد مسبقين لها ؟ ثم البحث في مدى منطقية ما أبداه المتهمون من دفاع عن أنفسهم حول ارتكاب تلك الأفعال و الرقابة على ما ذكره مأمور الضبط القضائي حول تلك الأفعال ومواجهه المتهمين بها ، و مدى قيام سلطة التحقيق والادعاء ( النيابة العامة ) بالتحقق والتأكد من قيام المتهمين بالأفعال المنسوبة إليهم وبعد التأكد من ذلك تراقب صحة إنزال قواعد ومواد القانون على الأفعال المكونة للجريمة لتحديد المركز القانوني لكل متهم على حده وبالتالي تحديد العقوبة الرادعة للمتهمين تمهيدا لإصدار حكم قضائي في القضية محل النظر .
، ولما كان حكم الإعدام من الأحكام القضائية الرادعة و التي يترتب عليها إزهاق الروح فأن العمل قد جرى على أن يتشدد القاضي مع نفسه ليزيد من تمحيص القضية ومراجعتها والتأكد مرة بعد مرة من قيام المتهم بما هو منسوب إلية من أفعال جرمها القانون والشرع ، كما أن مثل هذا الحكم لا يصدر عن قاضى واحد منفردا بل اشترط القانون أن يصدر عن دائرة قضائية ( محكمة ) مكونة من ثلاثة من قدامى القضاة ممن لديهم باع وخبرة طويلة في مثل تلك القضايا ويصدر الحكم بإجماع الآراء للقضاة الثلاثة للتأكد من اطمئنانهم لهذه العقوبة وإلا فتطبق العقوبة الأقل منها درجة ، لذا فالمشكلة لا تكمن في أحكام القضاء نفسها ، بل تكمن في احد أمرين أو كلاهما معا :-
أولا : المجتمع ومدى ما يعانيه من مشكلات كالبطالة ، والفراغ ، والمعاناة الاقتصادية لعامة الشعب في مقابل الترف الذائد عن الحد في الأعمال الفنية التي تعرض على شاشات التلفاز والفضائيات والسينمات دونما رقيب ، والثأر، وممارسة بعض الأفراد للبلطجة والبطش بغيرهم من المواطنين ويشتد المصاب لو كان من يمارسون هذا العنف من أصحاب السطوة والسلطان ليعانى الضعيف من عدم احترامهم لحقوقه وأدميته كإنسان .
ثانيا : النظام العقابي المعمول به في البلاد وما إذا كان رادعا من عدمه ؟ وكيفية وأسلوب تنفيذ تلك العقوبة على الجاني أو المتهم وفلسفة المؤسسة العقابية .
الإسلام وحل المشكلة
قدمت الشريعة الإسلامية الحل لكل تلك المشكلات التي يعانى منها المجتمع والتي أدت إلى انتشار ظاهرة العنف فقد ركز الإسلام على الإعلاء من شأن كل القيم السلوكية والروحية والأخلاقية النبيلة والمحافظة على تماسك المجتمع وإغلاقه لكل باب قد يؤدى إلى الانحراف او الانحلال فى المجتمع حتى أمام المباح لو كان سيؤدى إلى الوقوع في المحظور من باب سد الذرائع .
، وآية ذلك تحريم الإسلام للخمر باعتباره احد مصادر الشرور التي تتسبب في إذهاب العقل والذي بذهابه يصبح كل شئ مباح ولا وجود للقيم والدين في غيابة ، بل وكيفية ذلك التحريم كانت متدرجة مراعاة لما دأب علية الناس طوال عمرهم ولتخرج ذلك السم من دمائهم بالتدريج ...وهكذا في كثير من العادات السيئة التي جاء الإسلام فحرمها حتى قضى عليها مستغلا الوازع الديني والرغبة في المثوبة والقرب من الله لدى النفس البشرية السوية في الوصول بالمجتمع ليكون على أفضل ما يكون .
، أما بالنسبة للنفوس الخبيثة التي درجت على الشر لقد قرر لها الإسلام عقابا رادعا ومانعا لها من تكرار الجرم الذي وقعت فيه كعقاب وردع خاص
( يا أيها الذين امنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ...) 178 البقرة
، و قرر أسلوب وكيفية تنفيذ تلك العقوبة ليكون في ذاته رادعا عاما للكافة و لكل نفس قد تفكر في الاعتداء على ما ليس لها من حقوق او إتيان ما حرم الشرع من أفعال وردت حصرا لتكون معلومة مسبقا لدى هؤلاء الكافة ، ومن جه ثالثة لتشفى صدور نفوس المؤمنين وباقي أفراد المجتمع ممن التزموا جادة الصواب وليشعروا ان التزامهم لم يكن بلا مقابل او سبب وانهم بهذا الالتزام قد اختاروا الطريق الصحيح ولعل هذا هو معنى ( الحياة ) التى وردت فى الاية الكريمة :
( ولكم فى القصاص حياة يا أولى الالباب لعلكم تتقون ) 179 البقرة
، ونخلص في النهاية إلى ان عقوبة الإعدام ليست فى حد ذاتها مؤشرا على ان أحكام القضاء تتسم بالعنف بل ان تلك العقوبة أحيطت بعدد من الضمانات لتحد من تطبيقها الا عند الضرورة وبهدف حماية المجتمع من نوعيات بشعة وشريرة من الجرائم وحتى لا تتكرر ، ولكن المشكلة الحقيقية تكمن في أسلوب تنفيذ تلك العقوبة من جهة ومشكلات أخرى عديدة يعانى منها المجتمع من جهه اخرى ، وحتى لا نحلل ونوصف المشكلة دون أن نقدم لها العلاج اللازم للشفاء منها نقترح الاتى :
1. الاستخدام الامثل لوسائل الاعلام لتكون وسيلة لرفعة المجتمع وفى التوعية المجتمعية السليمة واحياء القيم فيه بدلا من ان يكون الاعلام وسيلة لانهيار المجتمع ومعول هدم فية .
2. نشر قيم العدالة والإخاء والمساوة الحقيقية والتي حض عليها الاسلام ونشرها والتأسيس لثقافة الاحترام المتبادل بين المواطنين كافة فيما بينهم من جهه ، وفيما بينهم وبين السلطة الإدارية الحاكمة مما يعلى قيم الوطنية والمواطنة والانتماء للبلد الذى يعيش فية ويحترم حقوقه وأدميته .
3. العمل على حل المشكلات المجتمعية والاقتصادية والسياسية ستؤدى بالتأكيد الى وقف هذا المسلسل البشع من العنف ومحو الاحتقان الموجود فى الشارع وإشاعة روح الانتماء والمواطنة بين أفراد الشعب .
4. ان الشارع الحكيم حينما قرر هذا النوع من العقوبات اشترط ان تطبق فى العلن كى تحقق الردع العام لجموع المجتمع وكشفاء لصدور بقية أفراد المجتمع سواء من الشرفاء المستقيمين او من ذوى المضرور الذين تشفى تلك العقوبة صدورهم وغلق باب الثأر الى غير رجعه .
بقلم : البدوي عبد العظيم البدوي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق