الاثنين، 28 ديسمبر 2009

أفغانستان والرجوع للمربع الأول

أعلن الرئيس الامريكى بارك اوباما بعد طول انتظار استرتيجيته الجديدة في أفغانستان - باعتبارها ارض المواجهة ضد الإرهاب – والمتمثلة في الاستمرار في الحرب مع زيادة عدد القوات الأمريكية في أفغانستان ، وإمدادها بـ 30 ألف جندي ليصبح اجمالى عدد القوات الأمريكية في أفغانستان مائة آلف جندي امريكى تقريبا مع تحديد مدة 18 شهر تبدأ بعدها القوات الأمريكية في الانسحاب من أفغانستان وحتى منتصف عام 2012 ، وأعلن أن القوات الأمريكية باقية حتى تحقيق أهدافها في أفغانستان والمتمثلة :

- في حرمان تنظيم القاعدة من توفير ملجأ امن لها .

- السيطرة على المدن الإستراتيجية الرئيسية في البلاد .

- قطع خطوط الإمداد والتمويل عن حركة طالبان والقاعدة .

- الالتفاف حول حركة التمرد .

وبذلك تكون الإدارة الأمريكية قد حسمت التردد الكبير حول سياستها في أفغانستان وهل هي الانسحاب أم الاستمرار في الحرب ، وتبع ذلك إعلان عدد من دول الناتو زيادة عدد قواتها في أفغانستان اتساقا مع الإستراتيجية الأمريكية الجديدة ودعما لها .

حرب اوباما

اعتبر كثير من المحللين أن الخطاب الذي ألقاه اوباما هو الخطاب الأهم في رئاسته ، و اعتقد أن في ذلك الرأي كثير من الصحة لأسباب عده أهمها أن الحرب الأمريكية على أفغانستان ظلت طوال الفترة الماضية حرب الرئيس الامريكى السابق بوش الابن وحزبه والتي لم يتبناها الرئيس اوباما بل دخل البيت الأبيض بأصوات المناهضين للحرب وكان يمتلك فرصة ذهبية للانسحاب من مستنقع الحرب في أفغانستان والعراق معا دون أن يتعرض لهجوم من الرأي العام الامريكى ، ومن ناحية أخرى فوت اوباما فرصة تجميل وجه أمريكا في العالم على أساس تغييرها للسياسات التي اتبعتها الإدارة الأمريكية السابقة ومدللا بالفعل على تبنى الإدارة الامريكية الجديدة للولايات المتحدة الأمريكية أسلوبا تسامحيا مع غيرها من الحضارات من نوع تلك العبارات الرنانة التي سمعناها من الرئيس الامريكى باراك اوباما في خطابه الشهير بجامعة القاهرة .

مقومات النجاح ومقدمات الفشل

اعتمدت الإدارة الأمريكية في سبيل إنجاح إستراتيجيتها الجديدة في أفغانستان على توفير عدد من مقومات وعوامل النجاح والتي ستساعد فى تحقق أهدافها ومن بين تلك العوامل التي سعت إلى توفيرها :

- زيادة عدد القوات الأمريكية والقوات المتحالفة معها على الأرض .

- فتح طرق آمنه جديدة لإمداد وتموين قواتها خلال الحرب حتى ولو كان ذلك على حساب طلب المساعدة من دول لا ترغب في طلب المساعدة منها مثل روسيا والصين بل وإيران .

- إعادة صياغة أهدافها في أفغانستان لتكون مما يسهل تحقيقة على ارض الواقع خلال الفترة التي حددتها لنفسها لبدأ عمليات الانسحاب من أفغانستان .

، وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة الأمريكية ليست جديد على الواقع الافغانى حيث أن لها خبرة طويلة بهذا البلد أيام الاحتلال السوفيتي لأفغانستان وتمتعت خلال تلك الفترة بعلاقات مهمة مع عدد من الشخصيات المؤثرة والمجاهدين وأمراء الحرب خلال تلك الفترة ثم ما لبثت أن تركت البلاد مرة واحدة بعد الانسحاب الروسي منها – وهو الخطأ الاستراتيجي الذي تدفع ثمنه ألان – وعلى الرغم من السنوات الثمان التي قضتها القوات الأمريكية في أفغانستان بعد احتلالها عقب إعلانها الحرب على الإرهاب ، إلا أن الولايات المتحدة قد أخطأت في حساباتها عند وضعها لتلك ألاستراتيجيه وليس أدل على ذلك من مقدمات ومقومات الفشل التي تحمله الإستراتيجية الأمريكية الأخيرة في أفغانستان ونذكر منها :

- الواقع الداخلي الافغانى : اعتمدت الإستراتيجية الأمريكية عند تحديدها لخيار البقاء في أفغانستان على عاملين هامين احدهما هو الاعتماد على الحكومة الأفغانية والجيش الافغانى كي يحل تدريجيا محل الجيش الامريكى وقوات الناتو وصولا إلى التاريخ الذي حدده الرئيس الامريكى لبدأ الانسحاب وهو بداية عام 2011 ، إلا أن الواقع على الأرض يلفظ هذا الأساس نظرا لما تتمتع به الحكومة الأفغانية من رفض شعبي كبير تلك الحكومة التي لا تفرض سيطرتها إلا على بعض المدن الكبرى فقط وبمساعدة القوات الأجنبية ناهيك عن العمليات النوعية التي تقوم بها حركة طالبان داخل تلك المدن الخاضعة لسيطرة الحكومة الأفغانية والتي يمدها الاهالى بالمعلومات عن واقع وحركة القوات الأمريكية والقوات المتحالفة معها حتى الافغانية منها .

، أضف إلى هذا الواقع الداخلي ما تعانيه الحكومة الأفغانية برئاسة قرزاى من تفشى الفساد المالي والادارى وتفشى الشعور بالظلم لدى العامة من أبناء الشعب علاوة على الشعور العام برفض المحتل المختلف معهم في الدين والذي ارتكب عدد من الجرائم ضد الأطفال والنساء العزل من أبنائهم .

، ثم أن الجيش الافغانى الوليد لا يستطيع الانتشار في طول البلاد وعرضها إذ أن الفغانستان تتكون من عدد من العرقيات ولا يمكن نشر قوات في غير أماكنها العشائرية وإلا اعتبرها السكان محتلة وتعرضت للهجوم والاعتداء ، ولو تم نشر تلك القوات في أماكن أغلبيتها العرقية والقبلية سيتغلب الوفاء للقبيلة والعرق على الوفاء للدولة و بذلك تكون تلك القوات غير ذات فائدة .

، كما أن حركة طالبات قد أعادت دراسة تجربتها السابقة في حكم البلاد والتي استفادت منها كثيرا في تعديل بعض سلوكياتها التي كانت تنفر منها بعض الاهالى الأمر الذي انعكس ايجابيا في تعامل الاهالى معها ومع عناصرها حتى في ظل وجود القوات الأمريكية والأجنبية في البلاد والمدن ناهيك عن المدن التي تسيطر عليها حركة طالبان فعليا .

، وضع القوات الأمريكية الضعيف في الأساس والتي لا تستطيع تأمين تحركاتها إلا بعد دفع رشاوى حتى لطالبان نفسها في مقابل مرور قوافلها .

- واقع الجوار الافغانى : العامل الثاني الذي اعتمدت علية الإستراتيجية الأمريكية لبقائها في أفغانستان هو الجوار الافغانى والذي لا يخلو من ألغام فيتمثل في الدعم من دول الجوار وخاصة باكستان سوف تتعرض بصورة آلية لعدم الاستقرار- هي في الأصل لا تتمتع به - والدخول في حرب أهلية بين الجيش وبين طالبان باكستان والتي تربطها بالشعب الافغانى روابط قبلية وعشائرية فضلا عن روابط الدين والعقيدة التي تحتم عليهم الوقوف مع الشعب الافغانى ضد أعدائه والذين يصبحون أعداء مشتركين في هذه الحالة مما يقوض نظام الحكم في باكستان نفسها مما يحسب في إطار الخسائر الإستراتيجية الأمريكية في حال سقوطه خاصة في ظل حيازته للتقنية النووية والدعم الامريكى الغير محدود لجارته وعدوتها اللدود الهند .

، ومن ناحية أخرى وعلى صعيد باقي دول الجوار الأخرى فعلى الرغم من أن أفغانستان في غالبيتها العظمى هي دولة سنية إلا أن إيران وفى إطار مصالحها الإستراتيجية تحتفظ بأوراق لتستعملها عند الضرورة ضد الولايات المتحدة خاصة في ظل تفضيلها للحرب عن بعد (خارج أراضيها) ومن ذلك نظره إيران للقوات الغربية في الدول المجاورة لها سواء العراق أو أفغانستان على أنهم رهائن أو أسرى لديها وتستعمل تلك الورقة شدا وجزبا تبعا لمصالحها وكورقة فى إطار مصالحها الإستراتيجية وتعزيز مشروعها الخاص وخاصة ملفها النووي وتفادى ضربة محتملة قد توجه إليها ، كل ذلك يدفع إلى الاعتقاد أن الدعم الايرانى للولايات المتحدة لن يكون كاملا وبالصورة التي تتمناها أمريكا ولكنها رغم ذلك لا ترغب بفقدها .

- السوابق التاريخية للشعب الافغانى : تعرض الشعب الافغانى للاستعمار أكثر من مرة إلا أن المستعمر الجديد أبدا لا يقرأ تاريخ الذين سبقوه في احتلال تلك الأرض حتى أن الولايات المتحدة الأمريكية والتي ساهمت في إخراج القوات السوفيتية من أفغانستان لم تتعلم الدرس الذي تعلمه الروس وظنت أن بإمكانها أن تسيطر على الأوضاع في أفغانستان اعتمادا على شبكة العلاقات التي كونتها إبان الاحتلال السوفيتي ، إلا أن ما فاتها أن تركيبة الشعب الافغانى ترفض أن يخضع للاحتلال خاصة اذا كان هذا المحتل على غير دين الإسلام بل ان كل قومية ( طاجيك ، باشتون..) ترفض ان تخضع للأخرى وتعتبر تواجد أحداها في أراضى الأخرى نوعا من السيطرة يستدعى التحدي من القومية صاحبة الأغلبية على الإقليم .

، إضافة إلى روح التحدي لدى الشعب الافغانى والتي لا تستسلم بسهولة سواء للمغريات أو للتحديات والتي تدعمها وعورة الأرض الأفغانية وطبيعتها الجبلية القاسية قد ساعدت حركات المقاومة للوجود الاجنبى في التستر والتواجد والاحتماء فيها من مغارات وإنفاق ، كل ذلك يؤكد صعوبة وضع القوات الأمريكية والأجنبية في أفغانستان أمام خبرة وتمرس الشعب الافغانى على حرب العصابات والكر والفر في الجبال واستعمال سياسة النفس الطويل مع القوات الغازية وليس أدل على ذلك من عبارة الملا محمد عمر زعيم طالبان ( ربما يمتلك الغزاة الساعات ولكننا نمتلك الوقت ) تلك العبارة التي استدعاها المحللين تعليقا على الإستراتيجية الجديدة والتي بشروها بالفشل .

من كل ذلك تظهر أمارات فشل الإستراتيجية الأمريكية الجديدة والتي اختارت البقاء فى المستنقع الافغانى عن الخروج من هذا المستنقع بصورة تعد مشرفة للإدارة الأمريكية الجديدة والتي أعلنت رفضها الاستمرار في مستنقعات الحرب التي أوقعتها فيها الإدارة السابقة والتي لم تكسب أمريكا إلا كراهية شعبية على مستوى العالم ، وكلما ظهر التقارب بين الحرب الأفغانية وبين الحرب الفيتنامية كلما استدعى ذلك مشاهد مؤلمة لدى الشعب الامريكى وتضحيات كانوا في غنى عنها والتي تسببت فيها قرارات إدارتهم الخاطئة .

والفشل الاهم فى نظرى هو فشل ادارة اوباما فى امتحاناها الاول وما أعلنته من قناعات واراء وتوجهات مثل تلك التى أعلنها اوباما أثناء حملته الانتخابية او تلك التى أعلنها اوباما فى خطابه الذى دغدغ به مشاعرنا من على منبر جامعة القاهرة وبذلك تكون تلك الإدارة قد عجزت ان تحول توجهاتها الى استراتيجيات تنفذها المؤسسات الأمريكية مما يعد عوده إلى المربع الأول واستمرارا لسياسة الإدارة الأمريكية السابقة حتى ولو تسلم اوباما جائزة نوبل ( للكلام ) وليست للسلام .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق